الشيخ السبحاني
19
الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل
في الخارج ، وماهية تحد الوجود وتبين مرتبته في عالم الشهود والخارج . مثلا : الزّهرة الماثلة أمام أعيننا ، لها وجود به تتمثل أمام نظرنا ، ولها ماهية تحددها بحد النباتية ، وتميزها عن الجماد والحيوان . ولأجل ذلك الحد نحكم عليها أنها قد ارتقت من عالم الجماد ولم تصل بعد إلى عالم الحيوان . وبذلك تعرف أن واقعية الماهية هي واقعية التحديد . هذا من جانب . ومن جانب آخر ، الماهية إذا لوحظت من حيث هي هي ، فهي غير الوجود كما هي غير العدم . بشهادة أنها توصف بالأول تارة وبالثاني أخرى ويقال : النبات موجود ، كما يقال : غير موجود . وهذا يوضح أن مقام الحد والماهية مقام التخلية عن الوجود والعدم ، بمعنى أن الإنسان عند النظر إلى ذات الشيء يراه عاريا عن كل من الوجود والعدم . ثم يصفه في الدرجة الثانية بأحدهما . وأما وجه كون الشيء في مقام الذات غير موجود ولا معدوم فلأجل أنه لو كان في مقام الذات والماهية موجودا - سواء أكان الوجود جزءه أو عينه - يكون الوجود نابعا من ذاته ، وما هذا شأنه يكون واجب الوجود ، يمتنع عروض العدم عليه . كما أنه لو كان في ذلك المقام معدوما - سواء أكان العدم جزءه أو عينه - يكون العدم نفس ذاته ، وما هذا شأنه يمتنع عليه عروض الوجود . فلأجل تصحيح عروض كل من الوجود والعدم لا مناص عن كون الشيء في مقام الذات خاليا عن كلا الأمرين حتى يصح كونه معروضا لأحدهما . وإلى هذا يهدف قول الفلاسفة : « الماهية من حيث هي هي لا موجودة ولا معدومة » . ومع هذا كلّه فهي في الخارج لا تخلو إما أن تكون موجودة أو معدومة . فالنبات والحيوان والإنسان في خارج الذهن لا تفارق أحد الوصفين . وبهذا تبين أنّ اتصاف الماهية بأحد الأمرين يتوقف على علة ، لكن اتصافها بالوجود يتوقف على علة موجودة ، ويكفي في اتصافها بالعدم ، عدم العلة الموجودة . فاتصاف الماهيات بالأعدام الأزلية